مصطفى صادق الرافعي
179
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
الحاسّة اللغوية وإحساس الفطرة ، كما يتلقى أهل الفن الواحد قواعد النبوغ عن المثال الذي يخرجه لهم نابغة الفن « 1 » . من هاهنا كانت دهشتهم له ، وكان عجبهم منه ، إذ رأوه يجري مجرى الفنّ مما لا يعرفون له فنّا « 2 » ، ووجدوه في ذلك ببلاغة البلغاء جميعا ، واستيقنوه فوق ما تسع الفطرة ، ثم صار من بعدهم يأخذ منه أصول هذا العلم ، عصرا بعد عصر ، وقبيلا بعد قبيل ، حتى استقرت البلاغة على ( قواعدها ) وهو مع ذلك بحيث كان ، لا الفطرة استوفت ما فيه ولا الصناعة ؛ ولا يزال بعد كأنه في نمط بلاغته سر محجّب « 3 » . وهذا أمر لم يقع له نظير في التاريخ ولن يقع بعد . وما من أمة في الأرض غير العرب استوفت وجوه البلاغة في لغتها من كتاب واحد ( على أن تكون هذه اللغة من أوسع اللغات وأبلغهن قصدا واستيفاء كالعربية ) سواء كان لها ذلك الكتاب قبل أن توضع
--> ( 1 ) أومأنا سابقا إلى شبيه هذا المعنى . وأن القرآن هو جعل البلاغة الإسلامية أرقى من البلاغة الجاهلية ، وقد رأينا أن نسوق في هذا الموضع كلاما لابن خلدون ، توفية لفائدة ما نحن فيه . قال في الفصل الذي عقده لبيان أن حصول الملكة بكثرة الحفظ الخ ، ويظهر لك من هذا الفصل وما نقرر فيه ، سر آخر ، هو إعطاء السبب في أن كلام الإسلاميين من العرب أعلى طبقة في البلاغة وأذوقها من كلام الأهلية في منثورهم ومنظومهم ، فإنا نجد شعر حسان بن ثابت ، وعمر بن أبي ربيعة ، والحطيئة ، وجرير ، والفرزدق ، ونصيب ، وغيلان ذي الرمة ، والأحوص ، وبشار ، ثم الكلام السلف من العرب في الدولة الأموية وصدرا من الدولة العباسية ، في خطبهم وترسيلهم ، ومحاوراتهم الملوك - أرفع طبقة في البلاغة من شعر النابغة ، وعنترة ، وابن كلثوم ، وزهير ، وعلقمة بن عبدة ، وطرفة بن العبد ، ومن كلام الجاهلية في منثورهم ومحاوراتهم ، والذوق السليم والطوق الصحيح شاهدان بذلك للناقد البصير بالبلاغة ، والسبب في ذلك أن هؤلاء الذين أدركوا الإسلام ، وسمعوا الطبقة العالية من كلام في القرآن والحديث اللذين عجز البشر عن الإتيان بمثلهما ، لكونها ولجت في قلوبهم ، ونشأت على أساليبها نفوسهم ، فنهضت طباعهم ، وارتقت ملكاتهم في البلاغة عن ملكات من قبلهم من أهل الجاهلية ، ممن لم يسمع هذه الطبقة ولا نشأت عليها فكان كلامهم في نظمهم ونثرهم أحسن ديباجة ، وأصفى رونقا من أولئك ، وأرصف مبنى وأعدل تثقيفا ، بما استفادوه من الكلام العالي الطبقة . ا ه - . قلنا : وهذا الذي وصفه ، على ما فيه من النقص ، هو أكبر السبب لا كل السبب وسنفصل ذلك في باب الشعر والإنشاء من تاريخ آداب العرب ، فإن هناك موضعه ، أما ما أشار إليه من إعجاز الحديث ، وأن ذلك في وزن إعجاز القرآن كما توهم عبارته فسنقف على حقيقته ، وعلى فصل ما بين الاثنين ، في موضعه مما يأتيك في الكلام على البلاغة النبوية . ( 2 ) أي في السياستين البيانية ، والمنطقية ، كما سنذكره بعد ، وهاتان الكلمتان هما طرفا التعبير النفسي لما يقال له في العرف : البيان والبلاغة . ( 3 ) قال ضياء الدين بن الأثير المتوفى سنة 637 ه - ( وهو صاحب كتاب المثل السائر ، وكان من مجتهدي أئمة البلاغة في هذه الأمة ، لا يسكن بعلمه إلى التقليد ، وله في إدراك الأسرار البيانية حسن عجيب ) إنه عثر قبل أن يضع كتابه ( المثل السائر ) على ضروب كثيرة من العلم والبيان فيما انطوى عليه القرآن